كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



{وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ} رَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: «نَسُوا الْكِتَابَ»، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ مُجَاهِدٍ أَنَّهُ قَالَ: «نَسُوا كِتَابَ اللهِ؛ إِذْ أُنْزِلَ عَلَيْهِمْ»، وَمُرَادُهُمَا الْحَظُّ مِنْهُ؛ أَيْ نَسُوا طَائِفَةً مِنْ أَصْلِ الْكِتَابِ، وَرَوَى ابْنُ الْمُبَارَكِ وَأَحْمَدُ فِي الزُّهْدِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ قَالَ فِي تَفْسِيرَ الْآيَةِ: «إِنِّي لَأَحْسَبُ الرَّجُلَ يَنْسَى الْعِلْمَ كَانَ يَعْلَمُهُ بِالْخَطِيئَةِ يَعْمَلُهَا؛ يُعَلِّلُ بِذَلِكَ مَا أَفَادَتْهُ الْآيَةُ مِنْ نِسْيَانِهِمْ لِبَعْضِ مَا ذَكَّرَهُمُ اللهُ بِهِ مِنْ كِتَابِهِ». وَفَسَّرَ النِّسْيَانَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ بِتَرْكِ الْعَمَلِ، كَأَنَّ هَؤُلَاءِ اسْتَبْعَدُوا نِسْيَانَ شَيْءٍ مِنْ أَصْلِ كِتَابِ الْقَوْمِ، وَإِضَاعَتَهُ؛ لِتَوَهُّمِهِمْ أَنَّهُ كَانَ مُتَوَاتِرًا، وَالْحَقُّ أَنَّهُمْ أَضَاعُوا كِتَابَهُمْ وَفَقَدُوهُ عِنْدَمَا أَحْرَقَ الْبَابِلِيُّونَ هَيْكَلَهُمْ، وَخَرَّبُوا عَاصِمَتَهُمْ، وَسَبَوْا مَنْ أَبْقَى عَلَيْهِ السَّيْفُ مِنْهُمْ، فَلَمَّا عَادَتْ إِلَيْهِمُ الْحُرِّيَّةُ فِي الْجُمْلَةِ جَمَعُوا مَا كَانُوا حَفِظُوهُ مِنَ التَّوْرَاةِ، وَوَعَوْهُ بِالْعَمَلِ بِهِ، أَوْ ذَكَرُوهُ فِي بَعْضِ مَكْتُوبَاتِهِمْ لِنَحْوِ الِاسْتِشْهَادِ بِهِ، وَنَسُوا الْبَاقِيَ. وَقَدْ حَقَّقْنَا هَذَا الْمَعْنَى فِي تَفْسِيرِ الْآيَةِ الثَّانِيَةِ مِنْ آلِ عِمْرَانَ، وَكَذَا {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ} (3: 23، 4: 44، و51) وَلَعَمْرِي إِنَّ هَذِهِ الْجُمْلَةَ {فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ} وَتِلْكَ الْجُمْلَةَ {أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ} لَمِنْ أَعْظَمِ مُعْجِزَاتِ الْقُرْآنِ، الَّتِي أَثْبَتَهَا التَّارِيخُ لَنَا بَعْدَ بَعْثَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِعِدَّةِ قُرُونٍ، وَلَمْ يَكُنْ يَخْطُرُ عَلَى بَالِ أَحَدٍ مِنَ الْعَرَبِ فِي زَمَنِ الْبَعْثَةِ وَهُمْ أُمِّيُّونَ أَنَّ الْيَهُودَ فَقَدُوا كِتَابَهُمُ الَّذِي هُوَ أَصْلُ دِينِهِمْ، ثُمَّ كَتَبَهُ لَهُمْ كَاتِبٌ مِنْهُمْ نَشَأَ فِي السَّبْيِ وَالْأَسْرِ بَيْنَ الْوَثَنِيِّينَ بَعْدَ عِدَّةِ قُرُونٍ، فَنَقَصَ مِنْهُ وَزَادَ فِيهِ، وَلَمْ تُعْرَفِ الْمَصَادِرُ الَّتِي جَمَعَ مِنْهَا مَا كَتَبَهُ مَعْرِفَةً صَحِيحَةً، بَلْ كَانَ هَذَا مِمَّا خَفِيَ عَنْ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ عِدَّةَ قُرُونٍ بَعْدَ انْتِشَارِ الْعِلْمِ فِيهِمْ.
أَثْبَتَ اللهُ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ أَنَّ الْيَهُودَ يُحَرِّفُونَ كَلِمَ كِتَابِهِمْ عَنْ مَوَاضِعِهِ، وَأَنَّهُمْ نَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ، وَفِي سُورَتَيْ آلِ عِمْرَانَ وَالنِّسَاءِ (3: 23، و4: 44، و51) أَنَّهُمْ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ، وَفِي (4: 46) أَنَّهُمْ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ، وَمَفْهُومُ قَوْلِهِ: {أُوتُوا نَصِيبًا} أَنَّهُمْ نَسُوا نَصِيبًا آخَرَ؛ وَهُوَ مَا صَرَّحَ بِهِ هُنَا، وَذَهَبَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ إِلَى أَنَّ الْمَنْسِيَّ هُوَ الْبِشَارَةُ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبَيَانُ صِفَاتِهِ، وَهُوَ لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُمْ لَوْ نَسَوْهَا كُلَّهَا لَمَا صَحَّ قَوْلُهُ فِي عُلَمَائِهِمْ أَنَّهُمْ {يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ} (2: 146) وَهُوَ مَا صَرَّحَ بِهِ وَأَقْسَمَ عَلَيْهِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ. وَحَمَلَهُ بَعْضُهُمْ عَلَى تَرْكِ الْعَمَلِ بِهِ، وَهُوَ مَجَازٌ مِنْ إِطْلَاقِ اللَّفْظِ وَإِرَادَةِ لَازِمِهِ، وَالْأَصْلُ فِي الْكَلَامِ الْحَقِيقَةُ، وَإِنَّمَا يُصَارُ إِلَى الْمَجَازِ عِنْدَ امْتِنَاعِ إِرَادَتِهَا، وَلَا امْتِنَاعَ هُنَا، وَمِنْ دَلَائِلِ إِرَادَةِ الْحَقِيقَةِ آيَةُ {أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ} فَمَعْنَى مَا هُنَاكَ وَمَا هُنَا أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ الَّذِينَ كَانُوا فِي عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمِثْلَهُمْ مَنْ قَبْلَهُمْ فَصَاعِدًا إِلَى زَمَنِ السَّبْيِ وَخَرَابِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ الَّذِي فُقِدَتْ فِيهِ التَّوْرَاةُ، وَمَنْ بَعْدَهُمْ إِلَى الْيَوْمِ وَإِلَى مَا شَاءَ اللهُ- أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ، وَنَسُوا نَصِيبًا مِنْهُ بِسَبَبِ فَقْدِ الْكِتَابِ وَعَدَمِ حِفْظِهِمْ لَهُ كُلِّهِ فِي الصُّدُورِ، ثُمَّ إِنَّ الَّذِي أُوتُوهُ مِنْهُ وَبَقِيَ لَهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ بِهِ كَمَا يَجِبُ، وَلَا يُقِيمُونَ مَا يَعْمَلُونَ بِهِ مِنْهُ كَمَا يَنْبَغِي، بَلْ كَانُوا يُحَرِّفُونَهُ عَنْ مَوَاضِعِهِ بِاللَّيِّ وَالتَّأْوِيلِ، عَلَى أَنَّهُ وَصَلَ إِلَيْهِمْ مُحَرَّفًا لَفْظُهُ؛ لِأَنَّهُ نُقِلَ مِنْ قَرَاطِيسَ وَصُحُفٍ مُتَفَرِّقَةٍ، لَا ثِقَةَ بِأَهْلِهَا، وَلَا بِضَبْطِ مَا فِيهَا، وَسَنَذْكُرُ تَتِمَّةَ هَذَا الْبَحْثِ فِي الْكَلَامِ عَنْ نِسْيَانِ النَّصَارَى حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ.
{وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ} الْخَائِنَةُ هُنَا: الْخِيَانَةُ، كَمَا رُوِيَ عَنْ قَتَادَةَ. وَالْعَرَبُ تُعَبِّرُ بِصِيغَةِ الْفَاعِلِ عَنِ الْمَصْدَرِ أَحْيَانًا، كَمَا تَعْكِسُ فَاسْتَعْمَلَتْ «الْقَائِلَةَ» بِمَعْنَى «الْقَيْلُولَةِ» وَالْخَاطِئَةَ بِمَعْنَى الْخَطِيئَةِ، أَوْ هِيَ وَصْفٌ لِمَحْذُوفٍ؛ إِمَّا مُذَكَّرٌ- وَالْهَاءُ لِلْمُبَالَغَةِ؛ كَمَا قَالُوا رَاوِيَةً لِكَثِيرِ الرِّوَايَةِ، وَدَاعِيَّةً لِمَنْ تَجَرَّدَ لِلدَّعْوَةِ إِلَى الشَّيْءِ- وَإِمَّا مُؤَنَّثٌ بِتَقْدِيرِ نَفْسٍ أَوْ فِعْلَةٍ أَوْ فِرْقَةٍ خَائِنَةٍ، وَالْمَعْنَى: أَنَّكَ، أَيُّهَا الرَّسُولُ، لَا تَزَالُ تَطَّلِعُ مِنْ هَؤُلَاءِ الْيَهُودِ الْمُجَاوِرِينَ لَكَ عَلَى خِيَانَةٍ بَعْدَ خِيَانَةٍ مَا دَامُوا مُجَاوِرِينَ أَوْ مُعَامِلِينَ لَكَ فِي الْحِجَازِ، فَلَا تَحْسَبَنَّ أَنَّكَ قَدْ أَمِنْتَ مَكْرَهُمْ وَكَيْدَهُمْ بِتَأْمِينِكَ إِيَّاهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ، فَإِنَّهُمْ قَوْمٌ لَا وَفَاءَ لَهُمْ وَلَا أَمَانَ، وَقَدْ نَقَضُوا عَهْدَ اللهِ وَمِيثَاقَهُ مِنْ قَبْلُ، فَكَيْفَ يُرْجَى مِنْهُمُ الْوَفَاءُ لَكَ بَعْدَ ذَلِكَ النَّقْضِ وَمَا تَرَتَّبَ عَلَيْهِ مِنْ قَسَاوَةِ قُلُوبِهِمْ وَقَتْلِهِمْ لِأَنْبِيَائِهِمْ {إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ} كَعَبْدِ اللهِ بْنِ سَلَامٍ وَإِخْوَانِهِ الَّذِينَ أَسْلَمُوا؛ فَهَؤُلَاءِ صَادِقُونَ فِي إِسْلَامِهِمْ، لَا يَقْصِدُونَ خِيَانَةً وَلَا خِدَاعًا.
{فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} فَاعْفُ عَمَّا سَلَفَ مِنْ هَؤُلَاءِ الْقَلِيلِ، وَاصْفَحْ عَنْ مُسِيئِهِمْ، وَعَامِلْهُمْ بِالْإِحْسَانِ الَّذِي يُحِبُّهُ اللهُ تَعَالَى، وَأَنْتَ أَيُّهَا الرَّسُولُ أَحَقُّ النَّاسِ بِتَحَرِّي مَا يُحِبُّهُ اللهُ، وَهَذَا رَأْيُ أَبِي مُسْلِمٍ. أَوْ: فَاعْفُ عَمَّا سَلَفَ مِنْ جَمِيعِهِمْ وَاضْرِبْ عَنْهُ صَفْحًا إِيثَارًا لِلْإِحْسَانِ وَالْفَضْلِ عَلَى مَا يَقْتَضِيهِ الْعَدْلُ. قِيلَ: كَانَ هَذَا أَمْرًا مُطْلَقًا، ثُمَّ نُسِخَ بِآيَةِ التَّوْبَةِ: {قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ} (9: 29) الْآيَةَ، وَرُوِيَ هَذَا عَنْ قَتَادَةَ، وَيَرُدُّهُ قِتَالُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْيَهُودِ قَبْلَ نُزُولِ التَّوْبَةِ، وَكَوْنُ آيَةِ التَّوِيَةِ نَزَلَتْ بِقَبُولِ الْجِزْيَةِ، وَهُوَ يَتَّفِقُ مَعَ الْعَفْوِ وَالصَّفْحِ، فَإِنَّهُمْ بِخِيَانَتِهِمْ صَارُوا حَرْبِيِّينَ، وَاسْتَحَقُّوا أَنْ يُقْتَلُوا، وَقَبُولُ الْجِزْيَةِ مِنْهُمْ يُعَدُّ عَفْوًا وَصَفْحًا عَنْ قَتْلِهِمْ، وَإِحْسَانًا لَهُمْ. وَثَمَّ وَجْهٌ آخَرُ؛ وَهُوَ أَنَّ الْأَمْرَ بِالْعَفْوِ وَالصَّفْحِ إِنَّمَا هُوَ عَنِ الْخِيَانَاتِ الشَّخْصِيَّةِ، لَا عَنْ نَقْضِ الْعَهْدِ الَّذِي يَصِيرُونَ بِهِ مُحَارِبِينَ لَا يُؤْمَنُ جِوَارُهُمْ، وَهَذَا أَظْهَرُ مِنْ جَعْلِ الْأَمْرِ بِالْعَفْوِ مُقَيَّدًا بِشَرْطٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: إِنْ تَابُوا وَآمَنُوا وَعَاهَدُوا، أَوِ الْتَزَمُوا الْجِزْيَةَ. هَذَا مُلَخَّصُ مَا يُقَالُ فِي رَأْيِ الْجُمْهُورِ.
وَلَوْلَا أَنَّ نُزُولَ هَذِهِ السُّورَةِ مُتَأَخِّرٌ عَمَّا كَانَ بَيْنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْيَهُودِ مِنَ الْقِتَالِ، وَعَنْ نُزُولِ سُورَةِ التَّوْبَةِ، لَقُلْتُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ هُنَا يَهُودَ بَنِي النَّضِيرِ، وَمِثْلُهُمْ بَنُو قُرَيْظَةَ بِقَرِينَةِ مَا جَاءَ قَبْلَ هَذَا السِّيَاقِ مِنْ خَبَرِ مُحَاوَلَتِهِمْ قَتْلَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَدْرًا مِنْهُمْ وَخِيَانَةً، وَيَكُونُ الْمُرَادُ بِالْعَفْوِ وَالصَّفْحِ عَنْهُمْ تَرْكَ قَتْلِهِمْ، وَالرِّضَاءَ مِنْهُمْ بِمَا دَونَ الْقَتْلِ بَعْدَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ، وَهَذَا هُوَ الَّذِي وَقَعَ.
ثَبْتَ فِي السِّيرَةِ النَّبَوِيَّةِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَغِبَ- عِنْدَمَا آوَى إِلَى الْمَدِينَةِ- فِي مُصَالَحَةِ الْيَهُودِ وَمُوَادَعَتِهِمْ، فَعَقَدَ الْعَهْدَ مَعَهُمْ عَلَى أَلَّا يُحَارِبُوهُ، وَلَا يُظَاهِرُوا مَنْ يُحَارِبُهُ، وَلَا يُوَالُوا عَلَيْهِ عَدُوًّا لَهُ، وَأَنْ يَكُونُوا آمِنِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ وَحُرِّيَّتِهِمْ فِي دِينِهِمْ، وَكَانَ حَوْلَ الْمَدِينَةِ مِنْهُمْ ثَلَاثُ طَوَائِفَ: بَنُو قَيْنُقَاعَ، وَبَنُو النَّضِيرِ، وَبَنُو قُرَيْظَةَ؛ فَكَانَ بَنُو قَيْنُقَاعَ أَوَّلَ مَنْ غَدَرَ وَتَصَدَّى لِحَرْبِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَهْرًا؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا أَشَدَّهُمْ بَأْسًا، فَلَمَّا ظَفِرَ بِهِمْ وَسَأَلَهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيٍّ رَئِيسُ الْمُنَافِقِينَ فِيهِمْ وَهَبَهُمْ لَهُ، وَكَانُوا حُلَفَاءَ لِلْخَزْرَجِ، وَكَانَ هُوَ يَتَوَلَّاهُمْ وَيَنْصُرُهُمْ، وَيَنْصُرُ غَيْرَهُمْ مِنْ أَعْدَاءِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا اسْتَطَاعَ، وَهَذَا ضَرْبٌ مِنَ الْعَفْوِ وَالصَّفْحِ.
وَأَمَّا بَنُو النَّضِيرِ فَنَقَضُوا الْعَهْدَ أَيْضًا، وَهَمُّوا بِقَتْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَحَلَّ لَهُ قِتَالُهُمْ، وَلَكِنَّهُ اخْتَارَ السِّلْمَ، وَأَنْ يَكْتَفِيَ أَمْرَهُمْ بِطَرْدِهِمْ مِنْ جِوَارِهِ، فَبَعَثَ إِلَيْهِمْ «أَنِ اخْرُجُوا مِنَ الْمَدِينَةِ، ولَا تُسَاكِنُونِي بِهَا، وَقَدْ أَجَّلْتُكُمْ عَشْرًا، فَمَنْ وَجَدْتُ بِهَا بَعْدَ ذَلِكَ ضَرَبْتُ عُنُقَهُ»، فَأَقَامُوا يَتَجَهَّزُونَ أَيَّامًا، ثُمَّ ثَنَاهُمْ عَنْ عَزْمِهِمْ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيٍّ؛ إِذْ أَرْسَلَ إِلَيْهِمْ أَلَّا تَخْرُجُوا، فَإِنَّ مَعِي أَلْفَيْنِ يَدْخُلُونَ مَعَكُمْ حِصْنَكُمْ، فَيَمُوتُونَ دُونَكُمْ، وَتَنْصُرُكُمْ قُرَيْظَةُ وَحُلَفَاؤُكُمْ مِنْ غَطَفَانَ، وَكَانَ رَئِيسُهُمْ حُيَيُّ بْنُ أَخْطَبَ شَدِيدَ الْعَدَاوَةِ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ الَّذِي كَانَ أَطْمَعَهُمْ بِقَتْلِهِ، وَحَمَلَهُمْ عَلَى الْغَدْرِ بِهِ، فَغَرَّهُ قَوْلُ رَئِيسِ الْمُنَافِقِينَ، فَبَعَثَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّنَا لَا نَخْرُجُ، فَافْعَلْ مَا بَدَا لَكَ، وَهَذَا إِعْلَانٌ لِلْحَرْبِ، فَخَرَجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمُسْلِمُونَ إِلَيْهِمْ، يَحْمِلُ لِوَاءَهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ كَرَّمَ اللهُ وَجْهَهُ، فَلَمَّا انْتَهَوْا إِلَيْهِمْ أَقَامُوا عَلَى حُصُونِهِمْ يَرْمُونَ بِالنَّبْلِ وَالْحِجَارَةِ وَخَانَهُمُ ابْنُ أُبَيٍّ وَلَمْ تَنْصُرْهُمْ قُرَيْظَةُ وَغَطَفَانُ فَلَمَّا اشْتَدَّ عَلَيْهِمُ الْحِصَاَرُ رَضُوا بِالْخُرُوجِ سَالِمِينَ، وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَادِرًا عَلَى اسْتِئْصَالِهِمْ، وَلَكِنَّهُ اخْتَارَ الْعَفْوَ وَالْإِحْسَانَ وَاكْتِفَاءَ شَرِّهِمْ بِإِبْعَادِهِمْ عَنِ الْمَدِينَةِ، فَأَنْزَلَهُمْ عَلَى أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا بِنُفُوسِهِمْ وَذَرَارِيِّهِمْ وَمَا حَمَلَتِ الْإِبِلُ إِلَّا السِّلَاحَ، وَأَجْلَاهُمْ إِلَى خَيْبَرَ. وَلَا شَكَّ أَنَّ هَذَا ضَرْبٌ مِنْ ضُرُوبِ الْعَفْوِ وَالْإِحْسَانِ عَظِيمٌ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْآيَةَ نَزَلَتْ بَعْدَ ذَلِكَ كُلِّهِ؛ لِأَنَّهَا مِنْ آخِرِ مَا نَزَلْ، وَلَمْ يُعَاقِبِ الْيَهُودَ عَلَى خِيَانَةٍ وَلَا غَدْرٍ، وَلَكِنَّهُ أَوْصَى بِإِجْلَائِهِمْ عَنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ بَعْدَهُ.
وَلَمَّا بَيَّنَ اللهُ تَعَالَى نَقْضَ الْيَهُودِ لِمِيثَاقِهِمْ، وَمَا كَانَ مِنْ أَمْرِهِمْ، أَعْقَبَهُ بِبَيَانِ حَالِ النَّصَارَى فِي ذَلِكَ، فَقَالَ: {وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ} أَيْ وَكَذَلِكَ أَخَذْنَا مِيثَاقَ الَّذِينَ سَمَّوْا أَنْفُسَهُمْ نَصَارَى مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ الْأَوَّلِ، وَهُمُ الَّذِينَ قَالُوا: إِنَّهُمُ اتَّبَعُوا الْمَسِيحَ وَنَصَرُوهُ، وَقَدْ صَارُوا طَائِفَةً مُسْتَقِلَّةً مُؤَلَّفَةً مِنَ الْإِسْرَائِيلِيِّينَ وَغَيْرِهِمْ، فَنَقَضُوا مِيثَاقَهُمْ، وَنَسُوا حَظًّا وَنَصِيبًا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ عَلَى لِسَانِ الْمَسِيحِ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ، كَمَا فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ {فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ} الْفَاءُ لِلسَّبَبِيَّةِ؛ أَيْ فَكَانَ نِسْيَانُ حَظٍّ عَظِيمٍ مِنْ كِتَابِهِمْ سَبَبًا لِوُقُوعِهِمْ فِي الْأَهْوَاءِ وَالتَّفَرُّقِ فِي الدِّينِ الْمُوجِبِ بِمُقْتَضَى سُنَّتِنَا فِي الْبَشَرِ لِلْعَدَاوَةِ وَالْبَغْضَاءِ. وَالْإِغْرَاءُ: التَّحْرِيشُ، وَإِسْنَادُهُ إِلَى اللهِ تَعَالَى مَعَ كَوْنِهِ مِنْ أَعْمَالِهِمْ الِاخْتِيَارِيَّةِ سَبَبًا وَمُسَبَّبًا؛ لِأَنَّهُ مِنْ مُقْتَضَى سُنَنِهِ فِي خَلْقِهِ. فَهَذَا جَزَاؤُهُمْ فِي الدُّنْيَا {وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ} عِنْدَمَا يُحَاسِبُهُمْ فِي الْآخِرَةِ، يُنَبِّئُهُمُ بِحَقِيقَةِ ضَلَالِهِمْ، وَيُجَازِيهِمْ عَلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ؛ لِيَعْلَمُوا أَنَّهُ حَكَمٌ عَدْلٌ، لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ.
بَيَّنَ اللهُ لَنَا أَنَّ النَّصَارَى نَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ كَالْيَهُودِ، وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ الْمَسِيحَ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَمْ يَكْتُبْ مَا ذَكَّرَهُمْ بِهِ مِنَ الْمَوَاعِظِ وَتَوْحِيدِ اللهِ وَتَمْجِيدِهِ وَالْإِرْشَادِ لِعِبَادَتِهِ، وَكَانَ مَنِ اتَّبَعُوهُ مِنَ الْعَوَامِّ، وَأَمْثَلُهُمْ حَوَارِيِّوهُ وَهُمْ مِنَ الصَّيَّادِينَ، وَقَدِ اشْتَدَّ الْيَهُودُ فِي عَدَاوَتِهِمْ وَمُطَارَدَتِهِمْ، فَلَمْ تَكُنْ لَهُمْ هَيْئَةٌ اجْتِمَاعِيَّةٌ ذَاتُ قُوَّةٍ وَعِلْمٍ تُدَوِّنُ مَا حَفِظُوهُ مِنْ إِنْجِيلِ الْمَسِيحِ وَتَحْفَظُهُ، وَيَظْهَرُ مِنْ تَارِيخِهِمْ وَكُتُبِهِمُ الْمُقَدَّسَةِ أَنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ كَانُوا يَبُثُّونَ بَيْنَ النَّاسِ فِي عَصْرِهِمْ تَعَالِيمَ بَاطِلَةً عَنِ الْمَسِيحِ، وَمِنْهُمْ مَنْ كَتَبَ فِي ذَلِكَ، حَتَّى إِنَّ الَّذِينَ كَتَبُوا كُتُبًا سَمَّوْهَا الْأَنَاجِيلَ كَثِيرُونَ جِدًّا، كَمَا صَرَّحُوا بِهِ فِي كُتُبِهِمُ الْمُقَدَّسَةِ وَتَوَارِيخِ الْكَنِيسَةِ، وَمَا ظَهَرَتْ هَذِهِ الْأَنَاجِيلُ الْأَرْبَعَةُ الْمُعْتَمَدَةُ عِنْدَهُمُ الْآنَ إِلَّا بَعْدَ ثَلَاثَةِ قُرُونٍ مِنْ تَارِيخِ الْمَسِيحِ عِنْدَمَا صَارَ لِلنَّصَارَى دَوْلَةٌ بِدُخُولِ الْمَلِكِ قُسْطَنْطِينَ فِي النَّصْرَانِيَّةِ، وَإِدْخَالِهِ إِيَّاهَا فِي طَوْرٍ جَدِيدٍ مِنَ الْوَثَنِيَّةِ. وَهَذِهِ الْأَنَاجِيلُ عِبَارَةٌ عَنْ تَارِيخٍ نَاقِصٍ لِلْمَسِيحِ، وَهِيَ مُتَعَارِضَةٌ مُتَنَاقِضَةٌ مَجْهُولَةُ الْأَصْلِ وَالتَّارِيخِ، بَلْ وَقَعَ الْخِلَافُ بَيْنَهُمْ فِي مُؤَلِّفِيهَا وَاللُّغَاتِ الَّتِي أَلَّفُوهَا بِهَا، وَقَدْ بَيَّنَّا فِي تَفْسِيرِ أَوَّلِ سُورَةِ «آلِ عِمْرَانَ» حَقِيقَةَ إِنْجِيلِ الْمَسِيحِ، وَكَوْنَ هَذِهِ الْكُتُبِ لَمْ تَحْوِ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُ، كَمَا تَحْتَوِي السِّيرَةُ النَّبَوِيَّةُ عِنْدَنَا عَلَى الْقَلِيلِ مِنَ الْقُرْآنِ وَالْحَدِيثِ، وَهَذَا الْقَلِيلُ مِنَ الْإِنْجِيلِ قَدْ دَخَلَهُ التَّنَاقُضُ وَالتَّحْرِيفُ.
وَقَدْ أَوْرَدَ الشَّيْخُ رَحْمَةُ اللهِ الْهِنْدِيُّ فِي كِتَابِهِ «إِظْهَارِ الْحَقِّ» الْمَشْهُورِ، مِائَةَ شَاهِدٍ مِنَ الْكُتُبِ الْمُقَدَّسَةِ عِنْدَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، عَلَى التَّحْرِيفِ اللَّفْظِيِّ وَالْمَعْنَوِيِّ فِيهَا، نَقَلْتُ بَعْضَهَا عَلَى سَبِيلِ النَّمُوذَجِ فِي تَفْسِيرِ آيَةِ النِّسَاءِ (4: 46) وَمِنْهَا مَا عَجَزَ مُفَسِّرُو التَّوْرَاةِ عَنْ تَمَحُّلِ الْجَوَابِ عَنْهُ، وَجَزَمُوا بِأَنَّهُ لَيْسَ مِمَّا كَتَبَهُ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَرَاجِعْهُ فِي (ص 113 وَمَا بَعْدَهَا مِنْ جُزْءِ التَّفْسِيرِ الْخَامِسِ، ط الْهَيْئَةِ). وَالظَّاهِرُ أَنَّ التَّنْكِيرَ فِي قوله: «نَصِيبًا وَحَظًّا» لِلتَّعْظِيمِ؛ أَيْ أَنَّ مَا نَسُوهُ وَأَضَاعُوهُ مِنْهُ كَثِيرٌ، وَمَا أُوتُوهُ وَحَفِظُوهُ كَثِيرٌ أَيْضًا، فَلَوْ كَانُوا يَعْمَلُونَ بِهِ مَا فَسَدَتْ حَالُهُمْ، وَلَا عَظُمَ خِزْيُهُمْ وَنَكَالُهُمْ. وَهَذَا هُوَ الْمَعْقُولُ فِي حَالِ عَدَمِ حِفْظِ الْأَصْلِ بِنَصِّهِ فِي الصُّدُورِ وَالسُّطُورِ، وَنَحْنُ نَجْزِمُ بِأَنَّنَا نَسِينَا وَأَضَعْنَا مِنْ حَدِيثِ نَبِيِّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَظًّا عَظِيمًا؛ لِعَدَمِ كِتَابَةِ عُلَمَاءِ الصَّحَابَةِ كُلَّ مَا سَمِعُوهُ، وَلَكِنَّهُ لَيْسَ مِنْهُ مَا هُوَ بَيَانٌ لِلْقُرْآنِ أَوْ مِنْ أُمُورِ الدِّينِ، فَإِنَّ جَمِيعَ أُمُورِ الدِّينِ مُودَعَةٌ فِي الْقُرْآنِ وَمُبَيَّنَةٌ فِي السُّنَّةِ الْعَمَلِيَّةِ، وَمَا دُوِّنَ مِنَ الْحَدِيثِ مَزِيدُ هِدَايَةٍ وَبَيَانٍ.
هَذَا، وَإِنَّ الْعَرَبَ كَانَتْ أُمَّةَ حِفْظٍ، وَدَوَّنُوا الْحَدِيثَ فِي الْعَصْرِ الْأَوَّلِ، وَعُنُوا بِحِفْظِهِ وَضَبْطِ مُتُونِهِ وَأَسَانِيدِهِ عِنَايَةً شَارَكَهُمْ فِيهَا كُلُّ مَنْ دَخَلَ فِي الْإِسْلَامِ، وَلَمْ يَتَّفِقْ مِثْلُ ذَلِكَ لِغَيْرِ الْمُسْلِمِينَ مِنَ الْمُتَقَدِّمِينَ وَالْمُتَأَخِّرِينَ.
لَسْنَا فِي حَاجَةٍ إِلَى تَفْصِيلِ الْقَوْلِ فِي ضَيَاعِ حَظٍّ عَظِيمٍ مِنْ كُتُبِ الْيَهُودِ، وَفِي وُقُوعِ التَّحْرِيفِ اللَّفْظِيِّ وَالْمَعْنَوِيِّ فِيمَا عِنْدَهُمْ مِنْهَا، وَفِي إِيرَادِ الشَّوَاهِدِ مِنْ هَذِهِ الْكُتُبِ، وَمِنَ التَّارِيخِ الدِّينِيِّ عِنْدَ أَهْلِ الْكِتَابِ عَلَى ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْيَهُودِ مُنَاظَرَاتٌ دِينِيَّةٌ تَقْتَضِي ذَلِكَ، وَلَوْلَا أَنَّ النَّصَارَى أَقَامُوا بِنَاءَ دِينِهِمْ وَكُتُبِهِمُ الَّتِي يُسَمُّونَهَا «الْعَهْدَ الْجَدِيدَ» عَلَى أَسَاسِ كُتُبِ الْيَهُودِ الَّتِي يُسَمُّونَهَا «الْعَهْدَ الْعَتِيقَ» لَمَا زِدْنَا فِي الْكَلَامِ عَنْ كُتُبِ الْيَهُودِ عَلَى مَا نُثْبِتُ بِهِ مَا وَصَفَهَا بِهِ الْقُرْآنُ الْعَزِيزُ بِالْإِجْمَالِ، وَإِنَّمَا الْحَاجَةُ تَدْفَعُنَا إِلَى بَعْضِ التَّفْصِيلِ فِي إِثْبَاتِ نِسْيَانِ النَّصَارَى وَإِضَاعَتِهِمْ حَظًّا عَظِيمًا مِمَّا جَاءَ بِهِ الْمَسِيحُ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَتَحْرِيفِ الْكُتُبِ الَّتِي فِي أَيْدِيهِمْ؛ لِأَنَّهُمْ أَسْرَفُوا فِي التَّعَدِّي عَلَى الْإِسْلَامِ وَالطَّعْنِ فِيهِ، فَكَانَ مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ مَنْ بَنَى بَيْتًا مِنَ الزُّجَاجِ عَلَى شَفَا جُرُفٍ مِنَ الرَّمْلِ، وَحَاوَلَ أَنْ يَنْصِبَ فِيهِ الْمَدَافِعَ؛ لِيَهْدِمَ حِصْنًا حَصِينًا مَبْنِيًّا عَلَى جَبَلٍ رَاسِخٍ {أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} (9: 109).
وَقَدْ قَامَتْ مَجَلَّتُنَا- الْمَنَارُ- بِمَا يَجِبُ مِنْ هَذَا الْبَيَانِ، وَدَفْعِ مَا بَدَأَ بِهِ دُعَاةُ النَّصْرَانِيَّةِ مِنَ الظُّلْمِ وَالْعُدْوَانِ، وَسَبَقَ فِي التَّفْسِيرِ قَلِيلٌ مِنْ كَثِيرٍ مِمَّا نُشِرَ فِي الْمَنَارِ، وَنَذْكُرُ هُنَا بَعْضَ الْمَسَائِلِ فِي ذَلِكَ بِالْإِيجَازِ: